الشيخ محمد رشيد رضا
589
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو بيان حال المؤمنين الكاملي الايمان مطلقا ليعلم منه أن تلك الأمور الثلاثة هي بعض شأنهم ، وقد بين صفاتهم بصيغة الحصر التي يخاطب بها من يعلم ذلك أو ينزل منزلة العالم به الذي لا ينكره وهي « انما » كما حققه امام الفن الشيخ عبد القاهر . وصفهم بخمس صفات ( الصفة الأولى ) قوله ( الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) قال الراغب : الوجل استشعار الخوف . يعني ما يجعل القلب يشعر به بالفعل وعبر غيره عنه بالفزع والخوف ( وبابه فرح وتعب ) وذلك أن الخوف توقع أمر مؤلم في المستقبل قد يصحبه شعور الألم والفزع ، وقد يفارقه لضعفه أو لاعتقاد بعد أجله ، فالوجل والفزع أخص منه . وفي سورة الحجر من حوار إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم مع ضيفه المنكرين ( 15 : 52 قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ 53 قالُوا لا تَوْجَلْ ) الخ ، وفي سورة المؤمنين في صفة المؤمنين المشفقين من خشية ربهم ( 23 : 61 وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ) فالوجل هنا مقترن بالعمل الصالح وهو البذل والعطاء وفي سورة الحج ( 22 : 32 وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ 23 الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) وهي بمعنى آية الأنفال ، وليس للوجل ذكر في غير هذه الآيات ، ويتفق معنى الوجل فيها بأنه الفزع وشعور الخوف يلم بالقلب ، وقد يكون هذا الخوف من العاقبة المجهولة ، وقد يكون من الاجلال والمهابة ، وقد روي من شهر بن حوشب عن أم الدرداء : الوجل في القلب كاحتراق السعفة ، يا شهر بن جوشب أما تجد له قشعريرة ؟ قلت بلى ، قالت فادع اللّه فان الدعاء يستجاب عند ذلك . وعن ثابت البناني : قال فلان اني لأعلم متى يستجاب لي ، قالوا ومن أين لك ذلك ؟ قال إذا اقشعر جلدي ، ووجل قلبي ، وفاضت عيناي ، فذلك حين مستجاب لي . وعن عائشة ( رض ) قالت : ما الوجل في القلب الا كضرمة السعفة ، إذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك . السعفة بالتحريك واحدة السعف وهو جريد النخل إذا احترق بسمع له نشيش ، شبهت به أم المؤمنين وأم الدرداء شعور الوجل يتم بالقلب من ذكر اللّه فيخفق له والمراد بذكر اللّه ذكر القلب لعظمته وسلطانه وجلاله أو لوعيده ووعده ،